خالتي لماذا لم تتزوجي إلى الآن ؟
سؤال كانت تدري أنها لن تفر ابداً منه و لكن ظلَّ الأمل في أن ينسى الزمن هذا السؤال و يطويه بين أيامها يداعب صدرها فما إن سألتها أبنة اختها حتى إنفلتت من بين شفتيها ابتسامة مشوبة بغصة ابتسامة مقهورة لم تتعلم يوماً إلا الإنكسار ، و مررت بإصبعها السبابة على أخاديد الزمن التي حفرتها في ثنايا وجهها الأبيض الصغير و أنفلتت من بين أجفارها دمعة حارقة تدرجت دون وعي على تلك الأخاديد ؛ و بدأت تفكر في ذاك الزمن الجميل تلك الأيام التي كانت ترقص فيها كفراش النور من مكان لآخر لا يحد إنطلاقها إلا نسمات الهواء التي تداعب خديها تسابق الريح و تمتطي النسائم لم تعي يوماً أنها ستكون وحيدة في فراش بارد يضيق رغم اتساعه عليها كلما آوت إليه ، و لم تكن تدري أن هذه الوحدة التي إختارت تفاصيلها المعتمة ستكون قدراً يطمس الفرح ما بين شفتيها كانت تعتقد أنها ستكون اكثر راحة و طمأنية و لكن ما هي تلك الاشياء التي قد تعوضنا احتواء رجل أو تغنينا عن حمايته ليس هناك ما يعوض على قلبٍ أدمته الجراح إلا طفلٍ يناديها بماما و لكنها في لحظة تجني أتلفت تلك الأحلام و صادرت تلك الأماني و ضربت بهذه الهبات عرض الحائط هكذا كانت تخشى أن تكون سعيدة تخشى على نفسها مرارة التكرار تخشى أن تكون فريسة للحزن الذي سطا على بيتها فأحاله وكراً للوساوس و المخاوف فقررت في لحظة ضعف أن تكون وحيدة .
بدأت ناهد تروي روايتها على ابنة أختها الصغيرة التي كانت شديدة التعلق بخالتها حتى أنها سمحت لنفسها أن تنبش هذا الجزء الغامض من حياتها دون أن تشعر بأدنى حرج منها , كانت ” سمية ” تشعر أن خالتها تلك ملاكاً أنزله الله إلى الارض ليحل السلام و قد كانوا أشد خلق الله حظاً كون أن هذا الملاك كان في بيتهم و من دمهم ؛ روايتها التي لطالما شعرت أنها مجرد أوراق كانت تعبث بها أثناء الشباب أو مجرد شخصيات كانت قد فرّت من بين براثن قلمها فكيف لها أن تكون شخصية مستقلة بذاتها بعيدة عن الورق إن لم تكن هي بذاتها ورقة سقطت سهواً من بين كتبها دون أن تدري فتطفل عليها الظرف و أبدا إعجابه بها و حولها إلى ناهد تلك المراة صاحبة الخمسين عاما ً .. هكذا كانت تري قصتها كأنها ترويها من كتابٍ قديم لم تنقص حرفا و لم تزد آخر بل ظلّت مستقلة عنها تراها و كأنها أحد تلك القصص التي حاكتها ببراعة لتنال عليها جائزة ورقية علقتها على الحائط كتب عليها مع الشكر و التقدير .
تنفست ناهد الصعداء و ملأت رئتيها بالهواء و كأنما تحاول أن تجدد الهواء الرطب الذي يتخلل مساماتها فتجدد بذلك ذكرياتها الرطبة المبللة بدموع الأسى ، تماسكت قليلاً حتى لا تفضحها الدموع المتسربلة بين خطوط و تجاعيد وجهها تحاول تذكر أيام حياتها تلك التي كانت مفعمة بعطر الشباب لكي لا تقع فريسة الألم الذي حصد شبابها و طوى أيامها فبعض الذكريات كفن و بعضها وردة فواحة :
” كنتُ أقف على شباكي المطل على قارعة الطريق كان الطريق مزدحما صاخباً يشكو من ضجيج السيارات و يضجر بالمارة كان ذاك الوقت الساعة 12 ظهراً و كانت الشمس في كبد السماء ترسل سياطها عبر الافق تلهب بيها جيد كل من تجرأ على الخروج في مثل هذا اليوم المضني كنتُ حينها أطل بين الحين و الآخر من الشباك أحاول أن أقتنص فرصةً للكتابة فمنذ زمنٍ لم يتجرع قلمي الوحي و لم أكتب و لم تتجرأ دفاتري على إنجاب نص جديد أنتظر من يهديني في هذا القيظ حرفاً أحاول به استدارج البقية أنتظر شيئاً لا اعلم ما هو ولا من أين سيأتي و لكني كنتُ واثقة أني اليوم على موعد مع الكتابة فما كان مني إلا أن عقدتُ يداي و اتكأتُ على شرفة الشباك أنتظر مرور ذاك العارض ولكن الشمس الحارقة منعتني من استكمال هذا الانتظار اللذيذ فقد كانت لسعاتها أشد وطأة من فضولي و لهفتي فما كان مني إلا أن اسرعت لمكتبي أحاول عصر قلمي لأكتب بعض الخواطر التي قد دفعني إليها الاصرار على الكتابة .
طرت لمكتبي و عيناي معلقتان بالشباك أراقب المارّة فإذ بأحدهم و هو يحتسي فنجان قهوته اوحي لي بسطرين كتبتهما على أحد الكتب مخافة أن يفران مني كما العادة بدأت أهمُّ في خلق نص جديد ما بين السطور أحاول فيه استدرار عطف القلم و تجميع بعض الكلمات المستهلكة فإن الكتابة حالة روحانية عالية لا يمكننا جبر عفريتها على المثول أمامنا متى شئنا فهي تتلبسنا متى هي شاءت .. و قاطع هذا الهيام و هذه النشوة زمجرة هاتفي جعلني أقفز من مكاني مذعورة , أتيت به و أنا ساخطة على هذا المزعج الذي أخرجني من دوامة الألهام المثيرة التي بدأت تداعب طرف قلمي بلعتُ ريقي وهممت بفتح باب الحديث بكلمة :
آلو ؟
فجاء من الطرف الآخر صوت رجلٍ أربكتني أنفاسه قبل أن يربكني صوته صوت رخيم ينضح رجولة صوتاً غفرتُ له مقاطعتي فقد كان بحد ذاته قصيدة أو رواية يجب أن ننصت لها باهتمام لم يمهلني ذاك الصوت كثيراً بل قاطع هيامي المعهود بالصوت الرجولي فإني كنت أعشق تلك الأصوات التي تثير في نفسي شغفها كنت أتمتع بتلك اللحظات البسيطة و أنصتُ جيداً لها و استشف منها قصائداً و روايات كانت الرجولة بنظري صوت و موقف تجذبنا الأصوات ثم تأسرنا المواقف و استفقت من هذا الحلم اللذيذ على جملةٍ أخلّت بموازيني و انقشعت لأجلها هذه الاحلام الوردية الآنية فانتبهت و أنصت بتركيز بعيداً عن رائحة الرجولة التي فاحت من صوته :
لم تعرفيني و لم تتعرفي عليّ و لم أركِ و لم أحفظ ملامحكِ و لكني بإختصار شديد أحبكِ . لا أطلب أكثر من أذنكِ لأراكِ ..
لم أدري بما أجيب و لكن خفقات قلبي بدأت في التسارع و ضاق تنفسي و شعرتُ بدوار يلف الغرفة شعرتُ أن هذا الامر ليس إلا مقلباً سخيفا من أحدهم أراد أن يعكر به مزاجي إما انتقاماً أو سماجةً .. فما أكثر المغفلين في مجالنا هذا أولئك اللذين ينصبون الفخاخ للآخرين حتى يستمتعوا بالثرثرة أو الانتقام لمجرد التسلية لا أكثر ، فلا ينجو أياً كان أبداً من ملاحقاتهم السخيفة حتى علاقاتنا البسيطة البريئة كانت عرضة للنهش و التلفيق ،قصصنا الصغيرة الخاصة بمكنوناتنا كانت عرضة للتأليف و التأويل فما كانت حياتنا نحن الكتّاب إلا كِتاب مفتوح يخربش على صفحاته أيأً كان دون رادع ، شعرتُ حينها أنه أهان ذكائي فكيف له أن يقتحم خلوتي بدون إذن يربك كل موازيني و اعتقاداتي ظاناً منه أنه صاحب الجولة الأولى و له الحق في قذفي بمفاجأته و تسميري ، كانت الحياة بالنسبة لي تحدي فلم ارضى يوماً أن أستخف بأحدهم و بالتالي لن أقبل أن يُستخفّ بي و خاصة بهذا الشكل و بهذه الطريقة ، لم استطيع الإجابة بل احتقن وجهي و انتفخت أوداجي لا أدري ما أقول أو ما افعل فلم أسيطر رغم خبرتي يوما على انفعالاتي كان تسبقني و كانت تتحكم بردات فعلي فلم أعي إلا و عبارات النهر تسبقني و تتسربل دون وعي من سماعة هاتفي إلى هاتفه فكيف يرضى هذا الرجل أن يلعب لعبةً يستحي منها حتى الأطفال و انا تلك الكاتبة التي كشفت ما بين طيات عباراتها خدع الرجال و مكائد النساء ، فكيف صوّر له خياله أني قد أقع فريسة هذه العبارات الرخيصة ، فما كان مني إلا أن نهرته بكل رقيّ و أدب حتى لا أنزلق في منحدر لا استطيع العذول عنه إن كان الأمر كان غير ما كنتُ أتوقعه نهرته بعبارات لا أذكر لليوم ماهي أو ماذا كانت أو كيف رتبتها و لكن أعي أنها كانت أنيقة في قتالها تبارز بشرف تتصنع الهيبة و كأنها كما الشوكولا المسمومة رائعة المذاق إلا أنها قاتلة أنتقيتُ كلمات حادة من بين تلك التي كنت أدسها لبعض فئران الأدب فتذلهم دون أن يؤخذ عليّ مأخذ ؛ الكلمات كانت وسيلتي في الدفاع عن نفسي ألقيها كألغام لا أحسب لها حساباً تنفجر بمجرد أن يدوسها أحد أولئك الفئران .
و هكذا توالت الأيام و انا أفكر في سر هذا الهاتف الغريب بتُّ أفكر فيه و أنسج حوله الاستنتاجات و أستجمع الشواهد التي قد تربطني بذاك المتصل و لكن دوماً اصل إلى نهاية غير معبدة لفضاء واسع لا استطيع ابداً تحديد وجهتي فيه فلم أستيطع أن أجمع الأدلة التي قد تجعلني أتفادى هذه الحفرة اللعينة التي حفرها هذا المتصل المتطفل على راحة بالي ، غاب عني الوحي و استنكرتُ لكل مساطري و أقلامي و بتُّ لياليٍ حائرة أحاول ربط الأحداث ببعضها البعض و رأيتُ أن الامر لغزاً أكبر من أن تستوعبه نقلات فكري الصغيرة لدى قررت ترك هذا الأمر لحاله حتى يكشف هذا الغريب عن نقابه فاتأكد من هويته و ما يضمر في نفسه اتجاهي لكي يتسنى لي حينها أن أتقدم أنا نحوه خطوة و أبادر بتسديد سهامي نحوه حتى أشل حركته في حال أراد مباغتتي ، كنت مستعدة له رغم وضع هذا الامر جانباً إلا اني كنتُ متهيأة دوماً لأي ضربة موجعة و متصدية لأي مباغتة قد تختلي بغفلتي .
توالت الأيام و تعاقبت حتى نسيتُ الامر تماماً فما أكثر تلك الأيام التي تنسينا الأمور التي أقضت مضجعنا و ما أكثر الأيام التي تجبرنا على الركض وراءها حتى وقع أثناء ركضنا الكثير من قرارتنا و تصميمنا ؛ و في يومٍ من الأيام كنت أوقع أول إصدار لروايتي الجديدة في معرض الكتاب فقد جرت العادة أن تقيم دار النشر بعدما تجمع عدد لا بأس به من الروايات بعمل افتتاح صغير يوقع فيه أصحاب الروايات المنشورة لمعجبينهم بعض الوتغرافات كانت بروتوكولات تجريها الدار لتوسع من معجبين كتّابها أو ربما لتوزع على غفلة منّا بعض الروايات الساقطة قيداً من دفاتر النشر فتدسّها فيما بيننا مدعية أنها هدية هذا الحضور و بناءً على رغبة المهتمين يجب علينا أن نطأطأ قليلاً لتلك المزحات الثقيلة و أن نرضى بفئران الأدب تلك ان تقضم بعضاً من نجاح أعمالنا و أن نسمح لها ب

























